أحمد بن علي القلقشندي

189

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

الولاء وتأتي بقيّة الأولياء في اللَّفيف ، واللَّه تعالى يوزع المملوك شكر هذه النّعم المتصل مددها ، والمنن الَّتي لا يعدمها ولا يعدّها ، ويطيل بقاء مولانا لحمد يجتليه ويجتنيه ، وشرف دنيا وأخرى يهدم وفره وعمره ويبتنيه . النوع الثالث عشر ( العتاب ) قال في « موادّ البيان » : المكاتبة بالمعاتبة على التحوّل عن المودّة والاستخفاف بحقوق الخلَّة من المكاتبات الَّتي يجب أن تستوفى شروطها ، وتكمّل أقسامها ؛ لأن ترخيص الصّديق لصديقه في المقاطعة والمصارمة دالّ على ضعف الاعتقاد ، واستحالة الوداد . من كلام المتقدّمين . إنّني ما أحدثت نبوة ، إلَّا بعد أن أحدثت جفوة ، ولا أبديت هجرا ، إلَّا بعد أن أبديت غدرا ، ولا لويت وجها عن الصّلة ، إلَّا بعد أن ثنيت عطفا إلى القطيعة ، والأوّل منّا جان ، والثاني حان ؛ والمتقدّم مؤثر ، والمتأخّر مضطَّرّ ، وكم بين فعل المختار والمكره ، والمبتدع والمتّبع ؟ آخر : إن أمسكت يا سيدي عن عتابك ، مرخيا من عنانك ، كنت بين قطع لحبلك ، ورضا بفعلك ، أو اقتصرت فيه على التّلويح به لم يغن ذاك مع كثرة جموحك ، وشدّة جنوحك ، وما ارتكبته من رائك ، واستخرجته من جفائك . رقعة عتاب : لمولانا لدى المملوك عوارف لا يهتدي إلى معرفتها فيوفّيها كنه المراد ، وأياد لا يبلغ ما تستحقّه من الإحماد ، ولو عضّدته خطباء إياد ، أجلَّها في نفسه خطرا ، وأحسنها عليه أثرا ، ما يفرضه له من برّه وإكرامه ، وتعهّده واهتمامه ، وقد غيّر مولانا عادته ، ونقض شيمته ، وبدّل المملوك من الانعطاف بالإعراض ، ومن الانبساط بالانقباض ، وحمّله من ذلك ما أوهى قوى صبره ، وأظلم بصائر فكره ، فإن يكن ذلك لخطإ واقعه المملوك ساهيا ، وجرم اجترمه لاهيا ، فمثل مولانا لا يطالب إلَّا بالقصد ، ولا يعاقب إلَّا على العمد ، إذ كان